السيد كمال الحيدري
325
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
ومنهم سيّدنا الأُستاذ المحقّق الخوئي ، حيث يقول : ( . . . إنَّ المراد بالإكراه في الآية ما يقابل الاختيار ، وأن الجملة خبرية لا إنشائية . . . ) « 1 » ، وهو قول مقبول إلى حدٍّ ما ، ولكننا لو نظرنا في النكتة الآنفة الذكر - والتي سيأتي ذكرها أيضاً في مضمار دفع إشكال يتعلَّق بموضوعة الإكراه - التي تفيد التنبيه إلى كون الآية بصدد مواجهة ثقافة عامّة دعت إلى إلزام الناس على المتابعة حتى في العقائد فضلًا عمَّا سواها ، فإننا سوف نجد أنَّ موضوع الإنشاء والحرمة هو الأقرب لمورد الآية ، كما أنَّ قوله : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ هو العلّة الأقرب للنهي عن الإكراه في الدين ، كما سيتّضح ، وهذا ما يتناسب مع الإنشائية لا مع الخبرية ، بل إنَّ الفقرات اللاحقة لفقرة التبيين هي الأُخرى تُساعدنا أكثر على تقديم القول بالإنشائية على الخبرية ، وستأتي بيانات أُخرى في فقرة التبيين ما يُؤكِّد ذلك . الأمر الثاني : سبب نزول هذا المقطع من الآية روي بأنَّ قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، قد نزل في رجل من الأنصار « 2 » ، كان يُكره غلاماً له على الإسلام ، وقيل : إنها نزلت في رجل من
--> ( 1 ) البيان في تفسير القرآن : ص 307 . ( 2 ) قد يُقال بأنَّ تفرّد هذا المقطع بسبب نزول خاصّ يكشف لنا بأنَّ هذا المقطع هو آية مستقلّة ، وليس مقطعاً ثانياً من آية الكرسي كما يدّعون ؟ وجوابه : إنَّ أصل التفرّد بسبب نزول خاصّ لا يلزم منه التفرّد بعنوان الآيتية ، هذا أولًا ، وثانياً : إننا لم نعدم في القرآن عيّنات كثيرة من هذا القبيل ، فإنّ قوله تعالى : . . . الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً . . . المائدة : 3 ، الواقع بين قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ . . . ، وقوله تعالى : . . . فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، لم يمنع من تفرّده بأسباب نزول خاصّة به ، وباتفاق الفريقين ، مع أن جميع هذه المقاطع الثلاثة آية واحدة ، وهي الآية الثالثة من سورة المائدة . منه ( دام ظله ) . .